منتدى وادي العرب الجزائري
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.


تاج الإسلام

تاج الإسلام

عضو نشيط
البلد/ المدينة :
بسكرة
المُسَــاهَمَـاتْ :
1034
نقاط التميز :
1924
التَـــسْجِيلْ :
28/03/2011
المقدمة

1- ميزة السيرة النبوية

تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية ، كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة إلى الله والمهتمين بالإصلاح الاجتماعي ، ليضمنوا إبلاغ الشريعة إلى الناس بأسلوب يجعلهم يرون فيها المُعتصَم الذي يلوذون به عند اضطراب السبل واشتداد العواصف ، ولتتفتح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم ، ويكون الإصلاح الذي يدعو إليه المصلحون ، وأقرب نجحاً وأكثر سدادا . ونجمل فيما يلي أبرز مزايا السيرة النبوية .

أولاً ـ إنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل ، أو عظيم مُصلح فقد وصلت إلينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصح الطرق العلمية وأقواها ثبوتا ـ كما سنرى في بحث مصادر السيرة ـ مما لا يترك مجالاً للشك في وقائعها البارزة وأحداثها الكبرى ، ومما ييسر لنا معرفة ما أضيف إليها في العصور المتأخرة من أحداث أو معجزات أو وقائع أو حى بها العقل الجاهل الراغب في زيادة إضفاء الصفة المدهشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أراد الله لرسوله أن يكون عليه من جلال المقام وقدسية الرسالة ، وعظمة السيرة .

إن الميزة من صحة السيرة صحة لا يتطرق إليها شك لا توجد في سيرة رسول الله السابقين ، فموسى عليه السلام قد اختلطت عندنا وقائع سيرته الصحيحة بما أدخل عليه اليهود من زيف وتحريف ، ولا نستطيع أن نركن إلى التوراة الحاضرة لنستخرج مها سيرة صادقة لموسى عليه السلام ، فقد أخذ كثير من النقاد الغربيين يشكون في بعض أسفارها ، وبعضهم يجزم بأن بعض أسفارها لهم يكتب في حياة موسى عليه السلام كما وردت في التوراة ، ولذلك ليس أمام المسلم أن يؤمن بشيء من صحة سيرته إلا ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، ومثل ذلك يقال في سيرة عيسى عليه السلام ، فهذه الاناجيل المعترف بها بين المسيحين منذ مئات السنين ، وقد اختيرت ـ بدون مسوغ علمي ـ من بين مئات الأناجيل التي كانت منتشرة في أيدي المسيحيين يومئذ . ثم إن نسبة هذه الأناجيل لكاتبيها لم يثبت عن طريق علمي تطمئن النفس إليه ، فهي لم تروى بسند متصل إلى كاتبيها ، على أن الخلاف قد وقع أيضاً بين النقاد الغربيين في أسماء بعض هؤلاء الكاتبين من يكونون ؟

وفي أي عصر كانوا ؟

وإذا كان هذا شأن سِيَر الرسل أصحاب الديانات المنتشرة في العالم ، كان الشك أقوى في سيرة أصحاب الديانات والفلاسفة الآخرين الذين يعد أتباعهم بمئات الملايين في العالم ، كبوذا وكونفوشيوس ، فإن الروايات التي يتناقلها أتباعهم عن سيرتهم ليس لها أصل معتبر في نظر البحث العلمي ، وإنما يتلقفها الكهان فيما بينهم ، ويزيد فيها كل جبل عن سابقة بما هو من قبيل الأساطير والخرافات التي لا يصدقها العقل النيَّر المتحرر من التعصب لتلك الديانات .

وهكذا نجد أن أصح سيرة وأقواها ثبوتاً متواترا هي سيرة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثانياً ـ إن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها ، منذ زواج أبيه عبد الله بامه آمنة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ، فنحن نعرف الشيء الكثير عن ولادته ، وطفولته وشبابه ، ومكسبه قبل النبوة ، ورحلاته خارج مكة ، إلى أن بعثه الله وسولا كريماً ، ثم نعرف بشكل أدق وأوضح وأكمل كل أحواله بعد ذلك سنة فسنة ، مما يجعل سيرته عليه الصلاة والسلام واضحة وضوح الشمس ، كما قال بعض النقاد الغربيين : إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس .

وهذا ما لم يتيسر مثله ولا قريب منه لرسول الله من رسل السابقين ، فموسى عليه السلام لا نعرف شيئاً قط عن طفولته وشبابه وطرف معيشته قبل النبوة ، نعرف الشيء القليل عن حياته بعد النبوة ، مما لا يعطينا صورة مكتملة لشخصيته ، ومثل ذلك يقال في عيسى عليه السلام ، فنحن لا نعرف شيئاً عن طفولته إلا ما تذكره الأناجيل الحاضرة ، من أنه دخل هيكل اليهود ، وناقش أحبارهم ، فهذه هي الحادثة الوحيدة التي يذكرونها عن طفولته ، ثم نحن لا نعرف من أحواله بعد النبوة إلا ما يتصل بدعوته ، وقليلاً من أسلوب معيشته ، وما عدا ذلك فأمر يغطيه الضباب الكثير .

فأين هذا مما تذكره مصادر السيرة الصحيحة من أدق التفاصيل في حياة رسولنا الشخصية ، كأكله ، وقيامه ،وقعوده ، ولباسه ، وشكله ، وهيئته ، ومنطقة ،ومعاملته لأسرته ، وتعبده ، وصلاته ، ومعاشرته لأصحابه ، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم .

ثالثاً ـ إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكي سيرة انسان أكرمه الله بالرسالة ، فلم تخرجه عن انسانيته ، ولم تلحق حياته بالأساطير ، ولم تضف عليه الألوهية قليلاً ولا كثيراً ، واذا قارننا هذا بما يرويه المسيحيون عن سيرة عيسى عليه السلام ، وما يرويه البوذيون عن بوذا والوثنيون عن آلهتم المعبودة ، اتضح لنا الفرق جلياً بين سيرته عليه السلام وسيرة هؤلاء ، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي لأتباعهم ، فادعاء الألوهية لعيسى عليه السلام ولبوذا جعلهما أبعد منالا من أن يكونا قدوة نموذجية للإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية ، بينما ظل وسيظل محمد صلى الله عليه وسلم المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه وأسرته وبيئته ، ومن هنا يقول الله تعالى في كتابة الكريم :

( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَومِ الآخَر ) [ الأحزاب : 21]

رابعاً : أن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان ، فهي تحكي لنا سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة ، كما تحكي لنا سيرة رسول الله الداعية إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته ، الباذل منتهى طاقته وجهده في أبلاغ رسالته ، كما تحكي لنا سيرته كرئيس دولة يضع لدولته أقوى النظم وأصحها ، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقة بما يكفل لها النجاح ، كما تحكي لنا سيرة الرسول الزوج والأب في حنو العاطفة ، وحسن المعاملة ، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد ن كما تحكي لنا سيرة الرسول المربي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثالية ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم ، ومن نفسه إلى نفوسهم ، ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها . كما تحكي لنا سيرة الرسول الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة ، ويفي بالتزاماتها وآدابها ، مما يجعل أصحابه يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم ، وسيرته تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع ، والقائد المنتصر ، والسياسي الناجح ، والجار الأمين ، والمعاهد الصادق .

إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع ، مما يجعله القدرة الصالحة لكل داعية ، وكل فائد ، وكل أب وكل زوج ، وكل صديق ، وكل مربي ، وكل سياسي ، وكل رئيس دولة ، وهكذا .

ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريباً منه فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين ، ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين ، فموسى يمثل زعيم الأمة الذي أنفذ أمته من العبودية ، ووضح لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها ، ولكنا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين ، أو المربين أو السياسيين ، أو رؤساء الدول ، أو الآباء ، أو الأزواج مثلا ، وعيسى عليه السلام يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالا ،ولا دارا ، ولا متاعاً ، ولكنه في سيرته الموجودة بين ايد المسيحيين ـ لا يمثل القائد المغوار ، ولا رئيس الدولة ، ولا الأب ، ولا الزوح ـ لأنه لم يتزوج ـ ولا المشرع ،ولا غير ذلك مما تمثله سيرة محمد صلى الله عليه وسلم . وقل مثل ذلك في بوذا ، وكونفوشيوس ، وأرسطو ، وأفلاطون ، ونابليون ، وغيرهم من عظماء التاريخ ، فإنهم لا يصلحون للقدوة ـ إن صلحوا ـ إلا لناحية واحدة من نواحي الحياة برزوا فيها واشتهروا بها ، والإنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم

خامساً ـ إن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وحدها تعطينا الدليل الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوته ، إنها سيرة إنسان كامل سار بدعوته من نصر إلى نصر ، لا على طريق الخوارق والمعجزات ، بل عن طريق طبيعي بحت ، فلقد دعا فأوذي ، وبلغ فأصبح له الأنصار ، وأضطر إلى الحرب فحارب ، وكان حكيماً ، موفقاً في قيادته ، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن طريق الإيمان ، لا عن طريق القهر والغلبة ، ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة حتى تدير اغتياله ، ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها، ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته ، وهي ثلاث وعشرون سنة ، أيقن أن محمداً رسول الله حقاً ، وأن ما كان يمنحه الله من ثبات وقوة وتأثير ونصر ليس إلا لأنه نبي حقاً ، وما كان الله أن يؤيد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ ، فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت لنا صدق رسالته عن طريق عقلي بحت ، وما وقع له صلى الله عليه وسلم من المعجزات لم يكن الأساس الأول في إيمان العرب بدعوته ، بل إنا لا نجد له معجزة آمن معها الكفار المعاندون ، على أن المعجزات المادية إنما تكون حجة على من شاهدها ، ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يشاهدوا معجزاته ، إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة العقلية القاطعة على صدق دعوة النبوة ، ومن هذه الأدلة العقلية : القرآن الكريم ، فإنه معجزة عقلية ، تلزم كل عاقل منصف أن يؤمن بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة .


وهذا يختلف تماماً عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم ، فهي تدلنا على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق ، دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواهم فتذعن لها ، وأوضح مثل لذلك السيد المسيح عليه السلام ، فان الله حكى لنا في القرآن الكريم أنه جعل الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته أنه يبرئ الأكمه والأبرص ، ويشفي المرضى ، ويحيي الموتى ، وينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم ، كل ذلك بإذن الله جل شأنه ، والأناجيل الحاضرة تروي لنا أن هذا المعجزات هي وحدها التي كانت سبباً في إيمان الجماهير دفعة واحدة به ، لا على أنه رسول كما يحكي القرآن الكريم ، بل على أنه إله وابن إله ـ وحاشا لله من ذلك ـ والمسيحية بعد المسيح انتشرت بالمعجزات وخوارق العادات ـ وفي سفر أعمال الرسل أكبر دليل على ذلك ـ حتى ليصح لنا أن نطلق على المسيحية التي يؤمن بها أتباعها أنها دين قام على المعجزات والخوارق لا على الإقناع العقلي ، ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدته لمعجزة خارقة ، بل عن اقتناع عقلي و وجداني ، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة ، فما ذلك إلا إكرام له صلى الله عليه وسلم وإفحام لمعانديه المكابرين ومن تتبع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الاقناع على المحاكمة العقلية ، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله ، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول من أمية تجعل إتيانه بالقرآن الكريم دليلا على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى في سورة العنكبوت : ( وَقَالُوا لَولا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَاتٍ مِن رَبِّهِ ، قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِندَ اللهِ ، وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين ، أَوْ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَومٍ يُؤْمِنُون ) [ العنكبوت : 50 ، 51 ٍ] ، ولما أشتد طلب كفار قريش للمعجزات ، أمره الله أن يجيبهم بقوله : ( سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَرَاً رَسُولا ؟ ) الاسراء : 93 ] استمع إلى ذلك في قوله تعالى في سورة الاسراء ( وَقَالُوا لَن نُّؤمِنَ لَكَ حَتَّى تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعَاًً أَو تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً ، أَوتُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفاً أَو تَأْتِي بِالله وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً ، أَو يَكُونَ لكَ بَيتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَو تَرْقَى فِي السَّمَاءِ، وَلِن نُؤْمنَ ِلرُقِيكَ حَتَّى تُنَزَّلَ عَلينَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبّي هَلْ كُنتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً ) [ الإسراء : 91 ـ 93 ] .

هكذا يقرر القرآن بصراحة ووضوح أن محمداً صلى الله عليه وسلم إنسان رسول ،وأنه لا يعتمد في دعوى الرسالة على الخوراق والمعجزات ، وإنما يخاطب العقول والقلوب ، ( فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيهِ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلام
) [ الأنعام : 125 ] .
 
تاج الإسلام

تاج الإسلام

عضو نشيط
البلد/ المدينة :
بسكرة
المُسَــاهَمَـاتْ :
1034
نقاط التميز :
1924
التَـــسْجِيلْ :
28/03/2011
مصادر السيرة النبوية


تنحصر المصادر الرئيسية المعتمدة للسيرة النبوية في أربعة مصادر :


1- القرآن الكريم :


وهو مصدر أساسي نستمد منه ملامح السيرة النبوية ، فقد تعرض القرآن الكريم لنشأته صلى الله عليه وسلم ( أَلَمْ يَجْدْكَ يَتِيماً فَآوَى ، وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى ) [ الضحى 5ـ6] كما تعرض لأخلاقه الكريمة العالية ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم ) [ القلم : : 4 ] . وقد تحدث القرآن عما لقيه عليه الصلاة والسلام من أذى وعنت في سبيل دعوته ، كما ذكر ما كان المشركون ينعتونه به من السحر والجنون صداً عن دين الله عز وجل ، وقد تعرض القرآن لهجرة الرسول كما تعرض لأهم المعارك الحربية التي خاضها بعد هجرته ، فتحدث عن معكرة بدر ، وأحد ، والأحزاب ، وصلح الحديبية ، وفتح مكة ، وغزوة حنين . وتحدث عن بعض معجزاته ، كمعجزة الإسراء والمعراج .


وبالجملة فقد تحدث عن كثير من وقائع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولما كان الكتاب الكريم أوثق كتاب على وجه الأرض ، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل في التشكيك بنصوصه وثبوتها التاريخي ، فإن ما تعرض له من وقائع السيرة يعتبر أصح مصدر للسيرة على الإطلاق .


ولكن من الملاحظ أن القرآن لم يتعرض لتفاصيل الوقائع النبوية ، وإنما تعرض لها إجمالا ، فهو حين يتحدث عن معركة لا يتحدث عن أسبابها ، ولا عن عدد المسلمين والمشركين فيها ، ولا عن عدد القتلى والأسرى من المشركين ، وإنما يتحدث عن دروس المعركة وما فيها من عبر وعظات ، وهذا شأن القرآن في كل ما أورده من قصص عن الأنبياء السابقين والأمم الماضية ، ولذلك فنحن لا نستطيع أن نكتفي بنصوص القرآن المتعلقة بالسيرة النبوية لنخرج منها بصورة متكاملة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم .






2ـ السنة النبوية الصحيحة :


السنة النبوية الصحيحة التي تضمنتها كتب أئمة الحديث المعترف بصدقهم والثقة بهم في العالم الإسلامي هي : الكتب الستة : البخاري ،ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي والترمذي ، وابن ماجة . ويضاف إليها : موطأ الإمام مالك ، و مسند الإمام أحمد ، فهذه الكتب وخاصة البخاري ومسلم في الذروة العليا من الصحة والثقة والتحقيق ، أما الكتب الأخرى ، فقد تضمنت الصحيح والحسن ، وفي بعضها الضعيف أيضاً .


من هذه الكتب التي حوت القسم الأكبر من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووقائعه وحروبه ، وأعماله ، نستطيع أن تتكون لدينا فكرة شاملة ـ وإن كانت غير متكاملة أحياناً ـ عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ،ومما يزيد الثقة بها والاطمئنان إليها أنها رويت بالسند المتصل إلى الصحابة رضوان الله عليهم ، وهم الذين عاشروا الرسول ولازموه ، ونصر الله بهم دينه ، وقد رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينة ، فكانوا أكمل أجيال التاريخ استقامة و أخلاق وقوة إيمان ، وصدق حديث ، و سُمو أرواح وكمال عقول ، فكل ما رووه لنا عن الرسول بالسند الصحيح المتصل يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها .


ويحاول المستشرقون المغرضون وأتباعهم من المسلمين الذين رق دينهم ، وفتنوا بالغرب وعلمائه أن يشككوا في صحة ما بين ايدينا من كتب السنة المعتمدة ، لينفذوا منها إلى هدم الشريعة ، والتشكيك بوقائع السيرة ، ولكن الله الذي تكفل بحفظ دينه قد هيأ لهم من يرد سهام باطلهم ، وكيدهم إلى نحورهم وقد تعرضت في كتابي "السنة ومكانتها من التشريع الإسلامي " إلى جهود علمائنا في تمحيص السنة النبوية ، وسردت شبة المشرقين ومن تبعهم ، وناقشتها نقاشا علمياً ، أرجو الله أن يثيبني عليه ، ويجعله في صفحات حسناتي يوم العرض عليه .


3-الشعر العربي المعاصر لعهد الرسالة :


مما لا شك فيه أن المشركين قد هاجموا الرسول ودعوته على ألسنة شعرائهم ، مما أضطر المسلمين إلى الرد عليهم على ألسنة شعرائهم ، كحسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وغيرهما وقد تضمنت كتب الأدب ، وكتب السيرة التي صنفت فيها بعد قسطاً كبيراً من هذه الأشعار التي تستطيع أن نستنتج منها حقائق كثيرة عن البيئة التي كان يعيش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي ترعرعت فيها دعوة الإسلام أو قيامها .


4- كتب السيرة :


كانت وقائع السيرة النبوية روايات يرويها الصحابة رضوان الله عليهم إلى من بعدهم ، وقد اختصر بعضهم بتتبع دقائق السيرة وتفاصيلها ، ثم تناقل التابعون هذه الأخبار ودونوها في صحائف عندهم ، وقد أختص بعضهم بالعناية التامة بها ، أمثال : أبان بن عثمان ابن عفان رضي الله عنه (32ـ 105هـ ) و عروة بن الزبير بن العوام ( 23ـ 93هـ ) ومن صغار التابعين عبد الله بن أبي بكر الأنصاري ( توفي سنة 135هـ ) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ( 50 ـ 123هـ ) الذي جمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز بأمره ، وعاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ( توفي سنة 129هـ ) .


ثم انتقلت العناية بالسيرة إلى من بعهدهم، حتى أفردوها بالتصنيف ، ومن أشهر أوائل المصنفين في السيرة محمد بن إسحاق بن يسار (توفي سنة 152 هـ ) وقد اتفق جمهور العلماء والمحدثين على توثيقه ، إلا ما روي عن مالك ،وهشام بن عروة بن الزبير من تجريحه ، وقد حمل كثير من العلماء المحققين تجريح هذين العالمين الكبيرين له بعداوات شخصية كانت قائمة بينهما وبين أبن إسحاق .


ألف ابن إسحاق كتابه " المغازي " من أحاديث وروايات سمعها بنفسه في المدينة ومصر ، ومن المؤسف أن هذا الكتاب لم يصل إلينا ، فقد فُـقِـدَ فيما فُقِدَ من تراثنا العلمي الزاخر ، ولكن مضمون الكتاب بقي محفوظاً بما رواه عنه ابن هشام في سيرته عن طريق شيخه الكبائي الذي كان من أشهر تلامذة ابن اسحاق .


سيرة ابن هشام :


هو أبو محمد عبد الله بن أيوب المحيري ، نشأ بالبصرة وتوفي سنة 213 أو 218 هـ على اختلاف الروايات ، ألف ابن هشام كتابة " السيرة النبوية " مما رواة شيخه الكبائي عن ابن إسحاق ، ومما رواه هو شخصياً عن شيوخه ، مما لم يذكره ابن إسحاق في سيرته ، وأغفل ما رواه ابن إسحاق مما لم يتفق مع ذوقه العلمي وملكته النقدية ، فجاء كتاباً من أوفي مصادر السيرة النبوية ، وأصحها ، وأدقها ، ولقي من القبول ما جعل الناس ينسبون كتابه إليه ، فيقولون : سيرة ابن هشام وشرح كتابه هذا عالمان من الأندلس : السهلي ( 508 ـ 581 هـ ) والخشني ( 535- 604هـ ) .


طبقات ابن سعد :


هو محمد بن سعد بن منيع الزهري ، ولد بالبصرة سنة 168 هـ وتوفي ببغداد سنة 230 هـ كان كاتباً لمحمد بن عمر الواقدي المؤرخ الشهير في المغازي والسيرة ( 130ـ 207 هـ )سار ابن سعد في كتابه " الطبقات " على ذكر أسماء الصحابة والتابعين ـ بعد ذكر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ بحسب طبقاتهم ، وقبائلهم، وأماكنهم ،ويعتبر كتابه " الطبقات " من أوثق المصادر الأولى للسيرة ، وأحفظها بذكر الصحابة والتابعين .


تاريخ الطبري :


هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ( 224 ـ 310 هـ ) إمام ، فقيه ، محدث ، صاحب مذهب في الفقه لم ينتشر كثيراً ألف كتابه في التاريخ غير مقتصر على سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ، بل ذكر تاريخ الأمم قبله ، وأفرد قسماً خاصاً لسيرته صلى الله عليه وسلم ، ثم تابع الحديث عن تاريخ الدول الإسلامية حتى قرب وفاته .


يعتبر الطبري حجة ثقة فيما يروي ، لكنه كثيراً ما يذكر روايات ضعيفة أو باطلة ، مكتفياً بإسنادها على رواتها الذين كان أمرهم معروفاً في عصره ، كما في روياته عن أبي مخنف ، فقد كان شيعياً متعصباً ، ومع ذلك فقد أورد له الطبري كثيراً من أخباره بإسنادها إليه ، كأنه يتبرأ من عهدتها ، ويلقي العبء على أبي مخنف .


تطور التأليف في السيرة .


ثم تطور التأليف في السيرة ، فأفردت بعض نواحيها بالتأليف خاصة، كـ " دلائل النبوة " للاصبهاني ، " والشمائل المحمدية " للترمذي ، و " زاد المعاد " لابن قيم الجوزية ، و " الشفاء للقاضي عياض، و" المواهب اللدنية" للقسطلاني وهو مشروحه في ثماني مجلدات بقلم الزرقاني المتوفي سنة 1122هـ .


وهذا ولا يزال العلماء يؤلفون في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بأسلوب حديث بتقبله ذوق أبناء العصر ، ومن أشهر الكتب المؤلفة في عصرنا الحديث كتاب " نور اليقين في سير سيد المرسلين " للشيخ محمد الخضري رحمه الله ، وقد لقي كتابه قبولا حسناً ، وقررت دراسته في المعاهد الدينية في أكثر أنحاء العالم الإسلامي .
[code]
 
تاج الإسلام

تاج الإسلام

عضو نشيط
البلد/ المدينة :
بسكرة
المُسَــاهَمَـاتْ :
1034
نقاط التميز :
1924
التَـــسْجِيلْ :
28/03/2011
في حياته قبل البعثة


آ ـ الوقائع التاريخية


تدلنا الأخبار الثابتة عن حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة على الحقائق التالية :


1- أنه ولد في أشرف بيت في بيوت العرب ، فهو من أشراف فروع قريش ، وهم بنو هاشم ، وقريش أشرف قبيلة في العرب ، وأزكاها نسباً ، وأعلاها مكانة ، وقد روى عن العباس رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" حدثنا يُوسُفُ بن مُوسَى الْبَغْدَادِيُّ حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بن مُوسَى عن إسماعيل بن أبي خَالِدٍ عن يَزِيدَ بن أبي زِيَادٍ عن عبد اللَّهِ بن الْحَارِثِ عن الْعَبَّاسِ بن عبد الْمُطَّلِبِ قال قلت يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُرَيْشًا جَلَسُوا فَتَذَاكَرُوا أَحْسَابَهُمْ بَيْنَهُمْ فَجَعَلُوا مَثَلَكَ كمثل نَخْلَةٍ في كَبْوَةٍ من الأرض فقال النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي من خَيْرِهِمْ من خَيْرِ فِرَقِهِمْ وَخَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ تَخَيَّرَ الْقَبَائِلَ فَجَعَلَنِي من خَيْرِ قَبِيلَةٍ ثُمَّ تَخَيَّرَ الْبُيُوتَ فَجَعَلَنِي من خَيْرِ بُيُوتِهِمْ فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا "




سنن الترمذي جـ 5 صـ 584 (حديث حسن)





ولمكانة هذا النسب الكريم في قريش لم نجد انها طعنت في نسبه الشريف كما طعنت في أشياء أخرى كثيرة مفتراه عليه لاتضاح نسبة بينهم ،

2- أنه نشأ يتيماً ، فقد مات أبو ه عبدالله وأمه حامل به لشهرين فحسب ، ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمه آمنة فذاق صلى الله عليه وسلم في صغره مرارة الحرمان من عطف أبوية وحنانهما ، وقد كفله بعد ذلك عمه أبو طالب حتى نشأ و أشتد ساعده ، وإلى يتمه أشار القرآن الكريم بقوله : ( أَلَمْ يَجْدْكَ يَتِمَياً فَآوى ) [ الضحى : 6] .




3- أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السنوات الأربع الأولى من طفولته في الصحراء في بني سعد ، فنشأ قوي البنية ، سليم الجسم ، فصيح اللسان ، يحسن ركوب الخيل على صغر سنة قد تفتحت مواهبه على صفاء الصحراء وهدوئها ، وإشراق شمسها ونقاوة هوائها .




4- كانت تعرف فيه النجابة من صغره ، وتلوح على محياه مخابل الذكاء الذي يحببه إلى كل من رآه فكان إذا أتى الرسول وهو غلام جلس على فراش جده ، وكان إذا جلس عليه لا يجلس معه على الفراش أحد من أولاده ( أعمام الرسول ) ، فيحاول أعمامه انتزاعه عن الفراش ، فيقول لهم عبد المطلب : دعوا بني ، فوالله إن له لشأناً.




5- أنه عليه الصلاة والسلام كان يرعى في أوائل شبابه لأهل مكة أغناهم بقراريط يأخذها أجراً على ذلك ، "وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ انه بَلَغَهُ ان رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال ما من نَبِيِّ الا قد رَعَى غَنَمًا قِيلَ وَأَنْتَ يا رَسُولَ الله قال وانا "


موطأ الإمام مالك جـ 2 صـ 971 (من البلاغات)



ثم لما بلغ من عمره خمساً وعشرين ، عمل لخديجة بنت خويلد في التجارة بمالها على أجر تؤديه إليه .

ثم لما بلغ من عمره خمساً وعشرين ، عمل لخديجة بنت خويلد في التجارة بمالها على أجر تؤديه إليه .






6- لم يشارك عليه الصلاة والسلام أقرانه من شباب مكة في لهوهم ولا عبثهم ، وقد عصمه الله من ذلك ، فقد استفاض من كتب السيرة أنه سمع وهو في سن الشباب غناء من إحدى دور مكة في حفلة عرس ، فأراد أنه يشهدها ، فألقى الله عليه النوم ، فما أيقظه إلا حر الشمس ، ولم يشارك قومه في عبادة الأوثان ، ولا أكل شيئاً مما ذبح لها ، ولم يشرب خمراً ، ولا لعب قماراً ، ولا عرف عنه فحش في القول .


مستدرك الحاكم جـ 4 صـ 273 حديث رقم 7619






7- وعرف عنه منذ إدراكه رجحان العقل ، وأصالة الرأي وفي حادثة وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة دليل واضح على هذا ، هدمها وتجديد بنائها ، وفعلوا ، فلما وصلوا إلى مكان الحجر الأسود فيما أختلفوا أختلافاً شديداً فيمن يكون له شرف وضع الحجر الأسود في مكانه ، وأرادت كل قبيلة أن يكون لها هذا الشرف ، وأشتد النزاع حتى تواعدوا للقتال ، ثم ارتضوا أن يحكم بينهم أول داخل من باب بني شيبة ، فكان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ، رضينا بحكمه ، فلما أخبر بذلك ، حل المشكلة بما رضي عنه جميع المتنازعين ، فقد بسط رداءه ، ثم أخذ الحجر فوضعها فيه ، ثم أمرهم أن يأخذ كل قبيلة بطرف من الرداء ، فلما رفعوه ، وبلغ الحج موضعه ، أخذه ووضعها بيده ، فرضوا جميعاً ، وصان الله بوفور عقله وحكمته دماء العرب من أن تسفك إلى مدى لا يعلمه إلا الله .



8- عرف عليه الصلاة والسلام في شبابه بين قومه بالصادق الأمين، وأشتهر بينهم بحسن المعاملة ، والوفاء بالوعد ، واستقامه السيرة ، وحسن السمعة ، مما رغب خديجة في أن تعرض عليه الأتجار بمالها في القافلة التي تذهب إلى مدينة بصر كل عام على أن تعطية ضعف ما تعطي رجلاً من قومها فلما عاد إلى مكة وأخبرها غلامها ميسرة بماكان من أمانته وإخلاصه ، ورأت الربح الكثير في تلك الرحلة ، أضعفت له من الأجر ضعف ما كانت أسمت له ، ثم حملها ذلك على أن ترغب في الزواج منه ، فقيل أن يتزوجها وهو أصغر منها بخمسة عشر عاماً ، وأفضل شهادة له بحسن خلقه قبل النبوة قول خديجة له بعد أن جاءه الوحي في غار حراء وعاد مرتعداً : كلا والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ( الضعيف ) ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق .


9- سافر مرتين خارج مكة ، أولاهما مع عمه أبي طالب حين كان عمره اثنى عشرة سنة ، وثانيها حين كان عمره خمساً وعشرين سنة . متاجراً لخديجة بمالها وكانت كلتا الرحلتين إلى مدينة ( بصرى ) في الشام ، وفي كلتيهما كان يسمع من التجار أحاديثهم ، ويشاهد آثار البلاد التي مر بها والعادات التي كان عليها سكانها .


10- حبب الله إليه عليه الصلاة والسلام قبيل البعثة بسنوات أن يخرج إلى غار حراء ـ وهو جبل يقع في الجانب الشمالي الغربي من مكة ، على قرب منها ـ يخلوا فيه لنفسه مقدار شهر ـ وكان في شهر رمضان ـ ليفكر في آلاء الله ، وعظيم قدرته ، واستمر على ذلك حتى جاءه الوحي ، ونزل عليه القرآن الكريم .


ب ـ الدروس والعظات


يستطيع الباحث أن يخرج من دراسة الوقائع السالفة بالدروس والنتائج التالية :


1- أنه كلما كان الداعية إلى الله ، أو المصلح الاجتماعي في شرف من قومه ، كان ذلك أدعى إلى استماع الناس له ، فإن من عادتهم أن يزدروا بالمصلحين والدعاة إذا كانوا من بيئة مغمورة ، أو نسب وضيع ، فإذا جاءهم من لا ينكرون شرف نسبه ، ولا مكانة أسرته الاجتماعية بينهم ، لم يجدوا ما يقولونه عنه إلا افتراءات يتحللون بها من الاستماع إلى دعوته ، والإصغاء إلى كلامه ، ولذلك كان أول ما سأل عنه هرقل أباسفيان بعد أن أرسل الرسول إلى هرقل كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام هو وقومه : كيف نسبه فيكم ؟ فأجاب أبو سفيان وهو يؤمئذ على شركه:هو من أشرفنا نسباً ولما انتهى هرقل من أسئلته ، وسمع جوابه عنها ، أخذ يشرح له سر الأسئلة التي توجه بها إليه حول محمد "رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له هرقل : سألتك كيف نسبه فيكم ؟ فزعمت أنه من أشرافكم نسباً ، وكذلك لا يختار الله النبي إلا من كرام قومه ، وأوسطهم نسباً .


صحيح أن الإسلام لا يقيم وزناً لشرف الأنساب تجاه الأعمال ، ولكن هذا لا يمنع أن يكون الذي يجمع بين شرف النسب وشرف الفعل ، أكرم وأعلى مكاناً وأقرب نجاحاً ، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام اذا فقهوا ".


2- أن في تحمل الداعية آلام اليتم أو العيش ، وهو في صغره ما يجعله أكثر إحساساً بالمعاني الإنسانية النبيلة ، التي تجعله يشعر بآلام الضعفاء والبائسين ، ولا يوفر له هذا الرصيد شيء ، مثل أن يعاني في حياته بعض ما يعانية أولئك المستضعفون كاليتامى والفقراء والمساكين .


3- كلما عاش الداعية في جو أقرب على الفطرة ، وأبعد عن الحياة المعقدة ، كان ذلك أدعى إلى صفاء ذهنه ، وقوة عقله وجسمه ونفسه ، وسلامة منطقة وتفكير ، ولذلك لم يختر الله العرب لأداء رسالة الإسلام صدفة ولا عبثاً ، بل لأنهم كانوا بالنسبة إلى من يجاورهم من الأمم المتمدنة أصفي نفوساً ، وأسلم تفكيراً ، وأقوم أخلاقاً ، وأكثر احتمالاً لمكاره الحروب في سبيل دعوة الله ونشر رسالته في أنحاء العالم .


4- لا يتأهل لمركز الدعوة وقيادتها إلا الذكي النبيه ، فالأغبياء والمتوسطون في نجابتهم أبعد الناس عن جداره القيادة الفكرية ، الإصلاحية . أو الروحية . بل إن من سنن الحياة أن يتمكن من القيادة في أية ناحية من نواحي الحياة عن جدارة واستحقاق الأغبياء والمضطربون في تفكيرهم . والشاذون في آرائهم ، وإذا وأتت الظروف واحداً من هؤلاء . فحملته إلى مركز القيادة . فسرعان ما يهوى إلى الحضيض ويتخلى عنه قومه بعد تعرفهم على غباوته ، أو أضطراب تفكيره .


5- إن ينبغي للداعية أن يعتمد في معيشته على جهده الشخصي أو مورد شريف لا أستجداء فيه ، ولا ذلة ولا مهانة .


إن الداعاة الصادقين الشرفاء يترفعون بأنفسهم أن يعيشوا من صدقات الناس وأعطياتهم . وأية كرامة تكون لهم في نفوس قومهم بعد بذل السؤال والاستجداء ولو لم يكن صريحاً مكشوفاً ، فإذا وجدنا من يدعي الدعوة والإرشاد . وهو يستكثر من أموال الناس بشتى أنواع الحيل . فإننا نجزم بمهانة نفسه في نفسه ، فكيف في نفوس قومه وجيرانه . ومن أرتضى لنفسه المهانة ، فكيف يستطيع أن يدعو إلى مكارم الأخلاق . ويقف في وجه الطغاة والمفسدين ، ويحارب الشر والفساد . ويبعث في الأمة روح الكرامة والشرف والاستقامة؟


6- إن استقامة الداعية في شبابه وحسن سيرته ، أدعى إلى نجاحه في دعوته إلى الله ، وإصلاح الإخلاص ، ومحاربة المنكرات ، إذا لا يجد في الناس من يغمزه في سلوكه الشخصي قبل قيامه بالدعوة ، وكثيراً ما رأينا أناساً قاموا بدعوة الإصلاح ، وبخاصة إصلاح الأخلاق ، وكان من أكبر العوامل في إعراض الناس عنهم ما يذكرونه لهم من ماض ملوث ، وخلق غير مستقيم بل إن هذا الماضي السيء يكون مدعاة للشك في صدق مثل هؤلاء الدعاة ، بحيث يتهمون بالتستر وراء دعوة الإصلاح لمآرب خاصة ، أو يتهمون بأنهم ما بدؤوا بالدعوة إلى الاصلاح إلا بعد أن قضوا مآربهم من ملذات الحياة وشهراتها ، وأصبحوا في وضع أو عمر لا أمل لهم فيه بالاستمرار فيما كانوا يبلغون فيه من عرض أو مال أو شهرة أو جاه .


أما الداعية المستقيم في شبابه ، فانه يظل أبداً رافع الرأس ناصع الجبين ، لا يجد أعداء الإصلاح سبيلاً إلى غمزه بماض قريب أو بعيد ، ولا يتخذون من هذا الماضي المنحرف تكأة للتشهير به ، ودعوة الناس إلى الاستخفاف بشأنه.


نعم إن الله يقبل توبة التائب المقبل عليه بصدق وإخلاص ، ويمحو بحسناته الحاضرة سيآته المنصرمة ، ولكن هذا شيء غير الداعية الذي ينتظر لدعوته النجاح إذا استقامت سيرته وحسنت سمعته .


7-إن تجارب الداعية بالسفر ، ومعاشرة الجماهير ، والتعرف على عوائد الناس وأوضاعهم ومشكلاتهم ، لها أثر كبير في نجاح دعوته ، فالذين يخالطون الناس في الكتب والمقالات دون أن يختلطوا بهم على مختلف اتجاهاتهم ، قوم مخفقون في دعوة الإصلاح ، لا يستمع الناس اليهم ، ولا تستجيب العقول لدعوتهم ، لما يرى فيهم الناس من جهل بأوضاعهم ومشكلاتهم ، فمن أراد أن يصلح المتدينين ، عليه أن يعيش معهم في مساجدهم ، ومجالسهم ، ومجتمعاتهم ، ومن أراد أن يصلح حال العمال والفلاحين ، عليه أن يعيش معهم في قراهم ، ومصانعهم ، ويؤاكلهم في بيوتهم ، ويتحدث اليهم في مجتمعاتهم ، ومن أراد أن يصلح المعاملات الجارية بين الناس ، عليه أن يختلط بهم في أسواقهم ، ومتاجرهم ، ومصانعهم ، وأنديتهم ، ومجالسهم، ومن أراد أن يصلح الأوضاع السياسية ، عليه أن يختلط بالسياسيين ، ويتعرف إلى تنظيماتهم ، ويستمع لخطبهم ، ويقرأ لهم برامجهم وأحزابهم ، ثم يتعرف إلى البيئة التي يعيشون فيها ، والثقافة التي نهلوا من معينها ، والاتجاه الذي يندفعون نحوه ، ليعرف كيف يخاطبهم بما لا تنفر منه نفوسهم .


وهكذا يجب أن يكون للداعية من تجاربه في الحياة ، ومعرفته بشؤون الناس ، ما يمكنه من أن يحقق قول الله تعالى : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ " [ النحل : 125 ] ، وما أبدع القول المأثور : خاطبوا الناس على قدر عقولهم ، اتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟ .


8ـ يجب على الداعية إلى الله أن تكون له بين الفينة والفينة أوقات يخلو فيها بنفسه ، تتصل فيها روحه بالله جل شأنه ، وتصفو فيها نفسه من قاذورات الأخلاق الذميمة ، والحياة المضطربة من حوله ، ومثل هذا الخلوات تدعوه إلى محاسبة نفسه أن قصرت في خير ، أو زلت في اتجاه ، أو جانبت سبيل الحكمة ، أو أخطأت في سبيل ومنهج أو طريق ، أو أن غمست مع الناس في الجدال والنقاش حتى أنسته تذكر الله والأنس به وتذكر الآخرة وجنتها ونارها ، والموت وغصصه وآلامة ، ولذلك كان التهجد وقيام الليل فرضاً في حق النبي صلى الله عليه وسلم مستحباً في حق غيره ، وأحق الناس بالحرص على هذه النافلة هم الدعاة إلى الله وشريعته وجنته ، وللخلوة والتهجد والقيام لله بالعبودية في أعقاب الليل لذة لا يدركها إلا من أكرمه الله بها ، وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يقول في اعقاب تهجده وعبادته : نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها .


وحسبنا قول الله تبارك وتعالى مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحياً ( يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ ، قُمِ الّليلَ إِلا قَلِيلأ نِصْفَهُ أَو انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ، أَو زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً ، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَولا ثَقِيلاً ، إِنَّ نَاشِئَةَ الليلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأًً وَأَقْوَمُ قِيلا ) [ المزمل 1ـ7] .

 
تاج الإسلام

تاج الإسلام

عضو نشيط
البلد/ المدينة :
بسكرة
المُسَــاهَمَـاتْ :
1034
نقاط التميز :
1924
التَـــسْجِيلْ :
28/03/2011
في السيرة بعد هجرة الحبشة إلى الهجرة للمدينة


آ ـ الوقائع التاريخية


تتميز أحداث هذه الفترة بالوقائع البارزة التالية :


1- مات أبو طالب عم الرسول في السنة العاشرة من البعثة ، كان في حياته شديد الدفاع عن أبن أخيه رسول الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت قريش لا تستطيع أن تنال النبي بأذى في نفسه طيلة حياة أبي طالب احتراماً وهيبة له ، فلما مات أبو طالب ، جرؤت قريش على تشديد الأذى للنبي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك كانت وفاته مبعث حزن عميق للنبي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حرص النبي أن يقول أبو طالب كلمة الإسلام وهو على فراش الموت ، فأبى أن يقولها خشية أن يلحقه العار من قومه .


2- ماتت خديجة رضي الله عنها في تلك السنة نفسها ، وقد كانت خديجة تخفف عن الرسول همومه وأحزانه لما يلقاه من عداء قريش ، فلما ماتت حزن عليها حزناً شديداً ، وسمي ذلك العام الذي مات فيه عمه أبو طالب وزوجه خديجة : "عام الحزن " .


3- ولما اشتد على الرسول كيد قريش وأذاها بعد وفاة عمه وزوجه ، توجه إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها ، ولكنهم ردوه رداً غير جميل ، وأغروا به صبيانهم ، فقذفوه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الطاهرتين ، ثم التجأ إلى بستان من بساتين الطائف ، وتوجه إلى الله بهذا الدعاء الخاشع : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري ؟ ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو تحل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .


مجمع الزوائد جـ 6 صـ 35 فيه ابن اسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات



4- عاد رسول الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف دون أن تستجيب ثقيف لدعوته ، اللهم الا ما كان من اسلام " عداس " غلام عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وكان غلاماً نصرانياً ، طلب إليه سيداه أن يقدم قطفاً من العنب إلى الرسول وهو في البستان لما رأيا من إعيائه وتهجم ثقيف عليه فلما قدم عداس العنب للرسول صلى الله عليه وسلم أخذ الرسول بيداً في أكلمه قائلا : باسم الله ، فلفت ذلك نظر عداس ، اذ لا يوجد في القوم من يقول مثل هذا . وبعد حديث بين عداس والنبي اسلم عداس .
الراوي: عبدالله بن جعفر بن أبي طالب - خلاصة الدرجة: ضعيف - المحدث: الألباني - المصدر: ضعيف الجامع - الصفحة أو الرقم: 1182






5- وقعت معجزة الإسراء والمعراج وقد أختلف في تاريخ وقوعها ، والمؤكد أنها وقعت قبل الهجرة في السنة العاشرة من بعثته أو بعدها ، والصحيح الذي عليه جماهير العلماء أنهما وقعا في ليلة واحدة يقظة بالجسد والروح ، اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السماوات العلى ، ثم عاد بيته في مكة تلك الليلة ، وأخبر قريشاً بأمر المعجزة ، فهزئت وسخرت ، وصدقه أبو بكر وأقوياء الإيمان .


6- وفي هذه الليلة فرضت الصلوات خمساً على كل مسلم بالغ عاقل .


7- وفي أثناء مرور الرسول صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبائل في موسم الحج ، كعادته في كل عام ـ لدعوتهم إلى الإسلام وترك عبادة الاوثان ، وبينما هو عند العقبة التي ترمي عندها الجمار لقي رهطاً من الأوس والخزرج ، فدعاهم إلى الإسلام ، فأسلموا ، وكان عددهم سبعة ، ثم عادوا إلى المدينة ، فذكروا لقومهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وما دانوا به من الإسلام .


8- وفي العام التالي لاثنتي عشر سنة من البعثة و فى موسم الحج جاء اثنا عشر رجلا من الأنصار ، فاجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه ، فلما عادوا أرسل معهم مصعب بن عمير إلى المدينة ليقرئ المسلمين فيها القرآن ، ويعلمهم الأسلام ، فانتشر الإسلام في المدينة انتشاراً كبيراً .


9- وفي العام الذي يليه حضر من الأنصار جماعة في موسم الحج فاجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مستخفين وكانوا سبعين رجلاً وامرأتين ، وبايعوه على النصرة والتأييد ، وعلى أن يمنعوه مما يمنعوه منه نساءهم وأبناءهم ، وعادوا إلى المدينة بعد أن اختار منهم أثنى عشر نقيباً يكونون على قومهم .






ب ـ الدروس والعظات


1- قد يحمي الداعية أحد أقربائه ممن ليسوا على دعوته ، وفي ذلك فائدة للدعوة حين تكون مستضعفة ، إذا لم يسايرها على ما هي عليه من منكرات .


2- الزوجة الصالحة المؤمنة بدعوة الحق تذلل كثيراً من الصعاب لزوجها الداعية إذا شاركته في همومه وآلامه ، وبذلك تخفف عنه عبء هذه الهموم ، وتبث في نفسه الاستمرار والثبات ، فيكون لها أثر في نجاح الدعوة وانتصارها ، وموقف السيدة خديجة رضي الله عنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى لما تستطيع الزوجة المؤمنة بدعوة الخير أن تلعبه من دون كبير في نجاح زوجها الداعية ، وثباته ، واستمراره في دعوته ، و فقد مثل هذه الزوجه في احتدام معركة الإصلاح خسارة كبيرة لا يملك معها زوجها الداعية إلا أن يحزن وبأسي .


3- والحزن على فقد القريب الحامي لدعوة الحق غير المؤمن بها ، وعلى فقد الزوجه المؤمنة المخلصة ، حزن تقتضيه طبيعة ولذلك قال الرسول لما مات أبو طالب: " رحمك الله وغفرلك، لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله "



الطبقات الكبرى جـ 1 ص 124




فاقتدى المسلمون برسولهم يستغفرن لموتاهم المشركين ،حتى نزل قول الله تبارك وتعالى : ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَو كَانَوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبينَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيم ) .[ التوبة : 113 ] فامتنع النبي عن الاستغفار لأبي طالب ، كما امتنع المسلمون عن الاستغفار لموتاهم .


ولذلك أيضاً ظل الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته يذكر فضل خديجة ، ويترحم عليها ، ويبر صديقاتها ، حتى كانت عائشة تغار منها ـ وهي متوفاة ـ لكثرة ما كانت تسمع من ثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، فقد روى البخاري عنها رضي الله عنها أنها قالت : ما غِرْتُ على أَحَدٍ من نِسَاءِ النبي صلى الله عليه وسلم ما غِرْتُ على خَدِيجَةَ وما رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كان النبي صلى اله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قلت له كَأَنَّهُ لم يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلا خَدِيجَةُ فيقول إِنَّهَا كانت وَكَانَتْ وكان لي منها وَلَدٌ


صحيح البخاري 3 صـ 1389





4- في توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد أن أعرضت عنه مكة ، دليل التصميم الجازم في نفس الرسول على الاستمرار في دعوته ، وعدم اليأس من استجابة الناس لها ، وبحث عن ميدان جديد للدعوة بعد أن قامت الحواجز دونها في ميدانها الأول ، كما أن في إغراء ثقيف صبيانها وسفهاءها بالرسول ، دليل على أن طبيعة الشر واحدة أينما كانت ، وهي الاعتماد على السفهاء في إيذاء دعاة الخير .

وفي سيل الدماء من قدمي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو النبي الكريم ، أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد ، أما دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في البستان ، ففيه تأكيد لصدق الرسول في دعوته ، وتصميم على الاستمرار فيها مهما قامت في وجهه الصعاب ، وأنه لا يهمه إلا رضي الله وحده ، فلا يهمه رضي الكبراء والزعماء، ولا رضى العامة والدهماء كما أن فيه استمداد القوة من الله باللجوء إليه والاستعانة به عندما يشتد الأذى بالداعية ، وفيه أن خوف الداعية كل الخوف هو من سخط الله عليه وغضبه ، لا من سخط شيء سواه .


5- في معجزة الإسراء والمعراج أسرار كثيرة نشير إلى ثلاثة منها فحسب .


وأولاً ـ ففيها ربط قضية المسجد الأقصى وما حوله ـ فلسطين ـ بقضية العالم الاسلامي إذا أصبحت مكة بعد بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم مركز تجمع العالم الإسلامي ووحدة أهدافه ، وأن الدفاع عن فلسطين دفاع عن الإسلام نفسه ، يجب أن يقوم به كل مسلم في شتى أنحاء الأرض ، والتفريط في الدفاع عنها وتحريرها ، تفريط في جنب الإسلام ، وجناية يعاقب الله عليها كل مؤمن بالله ورسوله .



وثانياً ـ فيها رمز إلى سمو المسلم ، ووجوب أن يرتفع فوق أهواء الدنيا وشهراتها ، وأن ينفد عن غيره من سائر البشر بعلو المكانة، وسمو الهدف ، والتحليق في أجواء المثل العليا دائماً وابداً .


وثالثاً : فيها إشارة على إمكان ارتياد الفضاء والخروج عن نطاق الجاذبية الارضية ، فلقد كان رسولنا في حادثة الاسراء والمعراج أول رائد للفضاء في تاريخ العالم كله ، وأن ريادة الفضاء والعودة إلى الأرض بسلام أمر ممكن إن وقع لرسول الله بالمعجزه في عصره ، فإنه من الممكن أن يقع للناس عن طريق العلم والفكر .


6- في فرض الصلاة ليلة الاسراء والمعراج إشارة إلى الحكم التي من أجلها شرعت الصلاة ، فكان الله يقول لعبادة المؤمنين : إذا كان معراج رسولكم بجسمه وروحه إلى السماء معجزة ، فليكن لكم في كل يوم خمس مرات معراج تعرج فيه أرواحكم وقلوبكم إلى ، ليكن لكم عروج روحي تحققون به الترفع عن أهوائكم وشهواتكم ،وتشهدون به من عظمتي قدرتي ووحدانيتي ، ما يدفعكم إلى السيارة على الأرض ، لا عن طريق الاستعباد والقهر والغلبة ، بل عن طريق الخير والسمو ، عن طريق الطهر والتسامي ، عن طريق الصلاة .


7- وفي عرض الرسول نفسه على القبائل في موسم الحج دليل على أن الداعية لا ينبغي ان يقتصر في دعوة الناس إلى الخير ضمن مجالسه وفي بيئته فحسب ، بل يجب أن يذهب إلى كل مكان يجتمع فيه الناس أو يمكن أن يجتمعوا فيه ، وأن لا ينبغي أن ييأس من إعراضهم عنه مرة بعد أخرى ، فقد يهيئ الله له أنصاراً يؤمنون بدعوته الخيرة من حيث لا يفكر ولا يحتسب ، وقد يكون لهذه القلة التي تهتدي به في بعض المناسبات شأن كبير في انتشار دعوة الحق والخير ، وفي انتصارها النصر النهائي على الشر واعوانه ، فلقدكان لإيمان السبعة الأوائل من الأنصار الذين التقوا برسول الله أول مرة ما أدى إلى تغلغل الإسلام في المدينة ، وكان لهذا التغلغل أثر في انتشار الإسلام وسيطرته عليها ، مما مهد للمؤمنين المضطهدين في مكة أن يجدوا في المدينة مهاجراً يتمكرزون فيه ، ولرسوله الله صلى الله عليه وسلم موئلاً أميناً يقيم فيه دولته ، ويبث منه دعوته ، وينطلق منه أصحابه إلى مقاومة الشرك والمشركين بالحروب والمعارك التي كانت نهايتها انتصاراً خالداً للإيمان ، وهزيمة أبدية للشرك ، فرضى الله عنهم الانصار من أوس وخزرج ، كم كان لهم على الإسلام والمسلمين والعالم كله من فضل لا ينتهي خيره ، ورضي الله عن إخوانهم المهاجرين الذين سبقوهم إلى الإيمان ، وضحوا في سبيله بالغالي من الاموال والأوطان ، وألحقنا بهم جميعاً في جنة الرضوان


 
تاج الإسلام

تاج الإسلام

عضو نشيط
البلد/ المدينة :
بسكرة
المُسَــاهَمَـاتْ :
1034
نقاط التميز :
1924
التَـــسْجِيلْ :
28/03/2011
منذ الهجرة حتى استقرار النبي في المدينة


آ ـ الوقائع التاريخية


1- علمت قريش باسلام فريق من أهل يثرب ، فاشتد أذاها للمؤمنين بمكة ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة ، فهاجروا مستخفين ، إلا عمر رضي الله عنه ، فإنه اعلم مشركي قريش بهجرته ، وقال لهم : من أراد أن تثكله أمه فليلحق بي غداً ببطن هذا الوادي ، فلم يخرج له أحد .


2- ولما أيقنت قريش أن المسلمين قد أصبحوا في المدينة في عزة ومنعة ، عقدت مؤتمرات في دار الندوة للتفكير في القضاء على الرسول نفسه ، فاستقر رأيهم على أن يتخيروا من كل قبيلة منهم فتى جلداً ، فيقتلوه جميعاً ، فيتفرق دمه في القبائل ، ولا يقدر بنو مناف على حربهم جميعاً ، فيرضوا بالدية ،وهكذا اجتمع الفتيان الموكلون بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم على بابه ليلة الهجرة ينتظرون خروجه ليقتلوه .


3- لم ينم الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على فراشه . وإنما طلب من علي رضي الله عنه أن ينام مكانه ، وأمره إذا أصبح أن يرد الودائع التي كان أودعها كفار قريش عنده إلى أصحابها ، وغادر الرسول صلى الله عليه وسلم بيته دون أن يشاهده الموكلون بقتله ، وذهب إلى بيت أبي بكر ، وكان قد هياً من قبل راحلتين له وللرسول صلى الله عليه وسلم ، فعزما على الخروج ، واستأجر أبو بكر عبد الله بن أريقط الديلي وكان مشركاً ليدلهما على طريق المدينة ، على أن يتجنب الطريق المعروفة إلى طريق أخرى لا يهتدي اليها كفار قريش .


4- خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبوبكر يوم الخميس أول يوم من ربيع الأول لسنة ثلاث خمسين من مولده عليه الصلاة والسلام ، ولم يعلم بأمر هجرته إلا علي رضي الله عنه وآل أبي بكر رضي الله عنه ، وعلمت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر في تهيئة الزاد لهما ، وقطعت أسماء قطعة من نطاقها ـ وهو ما يشد به الوسط ـ فربطت به على فم الجراب ـ وعاء الطعام ـ فسميت لذلك : ذات النطاقين ، واتجها مع دليلهما عن طريق اليمن حتى وصلا إلى " غار ثور " ، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف " حاذق " لقن "سريع الفهم" فيخرج من عندهما بالسحر ، ويصبح مع قريش بمكة كأنه كان نائماً فيها ، فلا يسمع من قريش أمراً يبيتونه من المكروه لهما إلا وعاه حتى يأتيهما في المساء بخبره .


5- قامت قيامة قريش لنجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وخرجوا يطلبونه في طريق مكة المعتاد ، فلم يجدوه ، واتجهوا إلى طريق اليمن ،ووقفوا عند فم " غارثور " و أبو بكر رضي الله عنه يرى أقدامهم وهم واقفون على فم الغار ، فيرتعد خوفاً على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له : والله يا رسول الله ، ولو نظر أحدهم على موطئ قدمه لرآنا ، فيطمئنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " ؟


6- أرسلت قريش في القبائل تطمع كل من عثر على الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، أو قتله ، أو أسره ، في دفع مبلغ ضخم من المال يغري الطامعين ، فانتدب لذلك سراقة بن جعشم ، وأخذ على نفسه أن يتفقدها ليظفر وحده بالجائزة .


7- قال بن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي عبد الرحمن بن مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ وهو بن أَخِي سُرَاقَةَ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ أَنَّ أَبَاهُ أخبره أَنَّهُ سمع سُرَاقَةَ بن جُعْشُمٍ يقول جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ في رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لمن قَتَلَهُ أو أَسَرَهُ فَبَيْنَمَا أنا جَالِسٌ في مَجْلِسٍ من مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ منهم حتى قام عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فقال يا سُرَاقَةُ إني قد رأيت آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قال سُرَاقَةُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ فقلت له إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا ثُمَّ لَبِثْتُ في الْمَجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ من وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ وَأَخَذْتُ رُمْحِي فَخَرَجْتُ بِهِ من ظَهْرِ الْبَيْتِ فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حتى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حتى دَنَوْتُ منهم فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عنها فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إلى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ منها الْأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بها أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا فَخَرَجَ الذي أَكْرَهُ فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي حتى إذا سمعت قِرَاءَةَ رسول اللَّهِ e وهو لَا يَلْتَفِتُ وأبو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي في الأرض حتى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عنها ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فلم تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فلما اسْتَوَتْ قَائِمَةً إذا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ فَخَرَجَ الذي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حتى جِئْتُهُمْ وَوَقَعَ في نَفْسِي حين لَقِيتُ ما لَقِيتُ من الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رسول اللَّهِ e فقلت له إِنَّ قَوْمَكَ قد جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ ما يُرِيدُ الناس بِهِمْ وَعَرَضْتُ عليهم الزَّادَ وَالْمَتَاعَ فلم يَرْزَآنِي ولم يَسْأَلَانِي إلا أَنْ قال أَخْفِ عَنَّا فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لي كِتَابَ أَمْنٍ فَأَمَرَ عَامِرَ بن فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ من أَدِيمٍ ثُمَّ مَضَى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم





8- وصل الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول وبعد أن طال انتظار أصحابه له ، يخرجون كل صباح إلى مشارف المدينة ، فلا يرجعون إلا حين تحمى الشمس وقت الظهيرة ، فلما حضر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة فرحوا به فرحاً عظيماً ، وأخذت الولائد ينشدون بالدفوف :






طلع البدر علينا ***من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا *** ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا *** جئت بالأمر المطاع





9ـ كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى المدينة قد وصل إلى " قباء " وهي قرية جنوب المدينة على بعد ميلين منها ، فأسس فيها أول مسجد بني في الإسلام ، واقام فيها أربعة أيام ، ثم سار صباح الجمعة إلى المدينة ، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف ، فبني مسجداً هناك ، وأقام أول جمعة في الإسلام ، وأول خطبة خطبها في الاسلام ، ثم سار إلى المدينة ، فلما وصلها كان أول عمل عمله بعد وصوله أن أختار المكان الذي بركت فيه ناقته ليكون مسجداً له ، وكان المكان لغلامين يتيمين من الأنصار ، فساومهما على ثمنه ، فقالا : بل نهبه لك يارسول الله ، فأبي إلا يبتاعه منهما بعشرة دنانير ذهباً أدَّاها من مال أبي بكر ، ثم ندب المسلمين إلى الاشتراك في بناء المسجد فأسرعوا إلى ذلك ، وكان صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن ، حين تم بناء المسجد ، جدرانه من لبن ، وسقفه من جريد النخل مقاماً على الجذوع .


10ـ ثم كان أن آخى المهاجرين والأنصار ، فجعل لكل أنصاري اخاً من المهاجرين ، فكان الأنصاري يذهب بأخيه المهاجر على بيته ، فيعرض عليه يقتسم معه كل شيء في بيته .


11ـ ثم كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود ، وأقرهم على دينهم وأموالهم ، وقد ذكر ابن هشام هذا الكتاب بطوله في سيرته ، وهو يتضمن المبادئ التي قامت عليها أول دولة في الإسلام ، وفيها من الانسانية والعدالة الاجتماعية والتسامح الديني والتعاون على مصلحة المجتمع ما يجدر بكل طلب أن يرجع إليه ويتفهمه ويحفظ مبادئه .


ونحن نذكر المبادئ العامة التي تضمنتها هذه الوثيقة التاريخية الخالدة :


1- وحدة الامة المسلمة من غير تفرقة بينها .


2- تساوي أبناء الأمة في الحقوق والكرامة .


3- تكاتف الأمة دون الظلم والإثم والعدوان .


4- اشتراك الأمة في تقرير العلاقات مع أعدائها لا يسالم مؤمن دون مؤمن .


5- تأسيس المجتمع على أحسن النظم وأهداها وأقومها .


6- مكافحة الخارجين على الدولة ونظامها العام ، وجوب الامتناع عن نصرتهم .


7- حماية من أراد العيش مع المسلمين مسالماً متعاوناً ، والامتناع عن ظلمهم والبغي عليهم .


8- لغير المسلمين دينهم وأموالهم ، لا يجبرون على دين المسلمين ، ولا توخذ منهم أموالهم .


9- على غير المسلمين أن يسهموا في نفقات الدول كما يسهم المسلمون .


10- على غير المسلمين أن يتعاونوا معهم لدرء الخطر عن كيان الدولة ضد كل عدوان .


11- وعليهم أن يشتركوا في نفقات القتال مادامت الدولة في حالة حرب .


12- على الدولة أن تنصر من يظلم منهم ، كما تنصر كل مسلم يعتدي عليه .


13- على المسلمين وغيرهم أن يمتنعوا عن حماية أعداء الدولة ومن يناصرهم .


14- إذا كانت مصلحة الأمة في الصلح ، وجب على جميع أبنائها مسلمين وغير مسلمين أن يقبلوا بالصلح .


15- لا يؤاخذ إنسان بذنب غيره ، ولا يجني جان إلا على نفسه وأهله .


16-حرية الانتقال في داخل الدولة وإلى خارجها مصونة بحماية الدولة.


17-لا حماية لآثم ولا لظالم .


18- المجتمع يقوم على أساس التعاون على البر والتقوى ، لا على الإثم العدوان


19- هذه المبادئ تحميها قوتان :


قوة معنوية ،وهي : إيمان الشعب بالله ومراقبته له ورعاية الله لمن بر و وفى.


وقوة مادية ، وهي : رئاسة الدولة التي يمثلها محمد صلى الله عليه وسلم .




ب ـ الدروس والعظات


1- إن المؤمن إذا كان واثقاً من قوته لا يستخفي في عمله ، بل يجاهر فيه ، ولا يبالي بأعداء دعوته ما دام واثقاً من التغلب عليهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه حين هاجر ، وفي ذلك دليل أيضاً على أن موقف القوة يرهب أعداء الله ، ويلقي الجزع في نفوسهم ، ولا شك أنهم لو أرادوا أن يجتمعوا على قتل عمر لاستطاعوا ، ولكن موقف عمر الجريء ألقى الرعب في نفس كل واحد منهم، فيخشي من تعرض له أن تثكله أمه ، وأهل الشر ضنينون بحياتهم ، حريصون عليها .


2- حين ييأس المبطلون من إيقاف دعوة الحق والإصلاح وحين يفلت المؤمنون من أيديهم ويصبحون في منجى من عدوانهم ، يلجؤون آخر الامر إلى قتل الداعية المصلح ، ظناً منهم أنهم إن قتلوه تخلصوا منه ، وقضوا على دعوته ، وهذا هو تفكير الأشرار أعداء الاصلاح في كل عصر ، وقد شاهدناه ورأينا مثله في حياتنا .


3- إن الجندي الصادق المخلص لدعوة الاصلاح ، يفدي قائده بحياته ، ففي سلامة القائد سلامة للدعوة ، وفي هلاكه خذلانها ووهنها ، فما فعله علي رضي الله عنه ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم تضحية بحياته في سبيل الإبقاء على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي رضي الله عنه انتقاما منه ، لأنه سهل لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاة ، ولكن علياً رضي الله عنه لم يبال بذلك ، فحسبه أن يسلم رسول صلى الله عليه وسلم نبي الأمة وقائد الدعوة .


4ـ وفي ايداع المشركين ودائعهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له وتصميمهم على قتله ، دليل على أن أعداء الإصلاح يوقنون في قراره نفوسهم باستقامة الداعية وأمانته ونزاهته ، وأنه خير منهم سيرة ،وأنقى سريرة ولكن العماية واللجاجة و الجمود على العادات والعقائد الضالة ،هو الذي يحملهم على محاربته ،ونصب الكيد له ، والتآمر على قتله إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً .


5- إن تفكير قائد الدعوة أو رئيس الدولة ، أو زعيم حركة الاصلاح في النجاة من تآمر المتربصين والمغتالين ، وعمله لنجاح خطة النجاة ليستأنف حركته أشد قوة ومراساً في ميدان آخر ، لا يعتبر جبناً ولا فراراً من الموت ، ولا ضناً بالتضحية بالنفس والروح .


6ـ في موقف عبد الله بن أبي بكر مايثبت أثر الشباب في نجاح الدعوات ، فهم عماد كل دعوة إصلاحية ، وباندفاعهم للتضحية والفداء تتقدم الدعوات سريعاً نحو النصر والغلبة ، ونحن نرى في المؤمنين السابقين إلى الاسلام كلهم شباباً ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمره أربعين سنة عند البعثة ، وأبو بكر رضي الله عنه كان أصغر منه بثلاث سنين ، وعمر رضي الله عنه أصغر منهما ، وعلي رضي الله عنه أصغر الجميع ،وعثمان رضي الله عنه كان أصغر من رسول الله صلى وسلم ، وهكذا كان عبدالله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف ، والأرقم بن أبي الأرقم و سعيد بن زيد ، و بلال بن رباح ، وعمار بن ياسر ، رضي الله عنهم ، وغيرهم ، كل هؤلاء كانوا شباباً حملوا أعباء الدعوة على كواهلهم ، فتحملوا في سبيلها التضحيات ، واستعذبوا من أجلها العذاب والألم والموت ، بهؤلاء انتصر الإسلام ، وعلى جهودهم وجهود إخوانهم قامت دولة الخلفاء الراشدين ، وتمت الفتوحات الإسلامية رائعة ، وبفضلهم وصل إلينا الإسلام الذي حررنا الله به من الجهالة والضلالة والوثنية والكفر والفسوق .


6- وفي موقف عائشة وأسماء رضي الله عنهما أثناء هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يثبت حاجة الدعوات الإصلاحية إلى النساء ، فهن أرق عاطفة ، وأكثر أندفاعاً ، واسمح نفساً ، وأطيب قلبا ، والمرآة إذا آمنت بشيء لم تبال في نشره والدعوة اليه بكل صعوبة ، وعملت على إقناع زوجها وإخوتها وأبنائها به ، ولجهاد المرأة في سبيل الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صفحات بيضاء مشرقة ، تؤكد لنا اليوم أن حركة الإصلاح الإسلامي ستظل وئيدة الخطأ ، قليلة الأثر في المجتمع حتى تشترك فيها المرأة ، فتنشئ جيلا من الفتيات على الإيمان والخلق والعفة والطهارة ، هؤلاء أقدر على نشر هذه القيم التي يحتاج إليها مجتمعنا اليوم في أوساط النساء من الرجال ، عدا أنهن سيكن زوجات وأمهات ، وأن الفضل الكبير في تربية صغار الصحابة ثم التابعين من بعدهم يعود إلى نساء الاسلام اللاتي أنشأن هذه الاجيال على أخلاق الاسلام وآدابه ، وحب الاسلام ورسوله ، فكانت أكرم الأجيال التي عرفها التاريخ في علو الهمة ، واستقامة السيرة ، وصلاح الدين والدنيا .


إن علينا اليوم أن ندرك هذه الحقيقة ، فنعمل على أن تحمل الفتيات والزوجات لواء دعوة الإصلاح الإسلامي في أوساط النساء ،وهن أكثر من نصف الأمة وذلك يقتضينا أن نشجع بناتنا على تعلم الشريعة في معهد موثوق بحسن تدريسه للإسلام ، مثل كلية الشريعة في جامعتنا ، وكلما كثر عدد هؤلاء الفتيات العالمات بالدين ، الفقيهات في الشرعية ، الملمات بتاريخ الإسلام ، المحبات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، المتخلقات بأخلاقه وأخلاق أمهات المؤمنين ، استطعنا أن ندفع عجلة الإصلاح الإسلامي إلى الإمام دفعاً قوياً ، وأن نقرب اليوم الذي يخضع فيه مجتمعنا الإسلامي لأحكام الإسلام وشريعته ، وإن ذلك لواقع إن شاء الله .


7- وفي عمى أبصار المشركين عن رؤية رسول الله وصاحبه في "غار ثور " وهم عنده ،مثل تخشع القلوب من أمثلة العناية الإلهية برسله ودعاته وأحبابه ، فما كان الله في رحمته لعباده ليسمح أن يقع الرسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين فيقضوا عليه وعلى دعوته وهو الذي أرسله رحمة للعالمين ، وكذلك يعود الله عبادة الدعاة المخلصين أن يلطف بهم في ساعات الشدة، وينفذهم من المآزق الحرجة ،ويعمي عنهم ـ في كثير من الأحيان ـ أبصار المتربصين لهم بالشر والغدر ، وليس في نجاة الرسول وصاحبه بعد أن أحاط بهما المشركون في "غار ثور" إلا تصديق قول الله تبارك وتعالى : " إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيومَ يَقُومُ الأشْهَاد " [ غافر : 51 ] وقول الله تبارك وتعالى: ( إنَّ الله يُدَاِفعُ عَنِ الذَّينَ آمَنُوا) [الحج : 38 ] .


8- وفي خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون مثل لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائدة الأمين حين يحدق به الخطر من خوف وإشفاق على حياته ، فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه من الموت ، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم ، وعلى مستقبل الاسلام إن وقع الرسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين .


9- وفي جواب الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر تطمئناً له على قلقه " يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما " مثل من أمثلة الصدق في الثقة بالله والاطمئنان إلى نصره ، والاتكال عليه عند الشدائد ، وهو دليل واضح على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوة النبوة ، فهو في أشد المآزق حرجاً ، ومع ذلك تبدو عليه امارات الاطمئنان إلى أن الله بعثه هدى ورحمة للناس لن يتخلى عنه في تلك الساعات ، فهل ترى مثل هذا الاطمئنان يصدر عن مدع للنبوة منتحل صفة الرسالة ؟ وفي مثل هذه الحالات يبدو الفرق واضحا بين دعاة الإصلاح وبين المدعين له والمنتحلين لاسمه ، وأولئك تفيض قلوبهم دائماً وأبداً بالرضي عن الله ، والثقة بنصره ، وهؤلاء يتهاوون عند المخاوف ،وينهارون عند الشدائد ، ثم لا تجد لهم من الله ولياً ولا نصيراً .


10- ويبدو لنا في موقف سراقة حين أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم وعجزه عن الوصول إليه دليل على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت قوائم فرسه تسيخ في الرمل وهي متجهة صوب الرسول ، حتى إذا نزل عنها ووجهها شطر مكة نشطت من كبوتها ، فإذا أراد أن يعيدها كرة في اتجاه الرسول صلى الله عليه وسلم عادت إلى عجزها وكعها ، فترى هذا يقع إلا لنبي مرسل مؤيد من الله النصر والعون ؟ كلا ، وهذا ما أدركه سراقة ، فنادى الرسول بالأمان ، وأدرك أن للرسول صلى الله عليه وسلم من العناية الالهية ما تعجز عن ادراكه قوى البشر ، فرضى أن يخسر الجائزة ويفوز بالوعد .


11- وفي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم لسراقة بسواري كسرى معجزة أخرى ، فالأنسان الذي يبدو هارباً من وجه قومه لا يؤمل في فتح الفرس والاستيلاء على كنوز كسرى ، إلا أنه يكون نبياً مرسلا ، ولقد تحقق وعد الرسول صلى الله عليه وسلم له ، وطلب سراقة عمر بن الخطاب بإنفاذ وعد الرسول صلى الله عليه وسلم له حين رأى سواري كسرى في الغنائم ، فألبسهما عمر سراقة على ملأ من الصحابة ،وقال : الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه ، وألبسهما سراقة بن جعشم الأعرابي . هكذا تتوالى المعجزات في هذه الهجرة واحدة بعد أخرى ليزداد المؤمنون ويستيقن الذين أوتوا الكتاب من المترددين والجاحدين أنه رسول من رب العامين .


12- كانت فرحة المؤمنين من أنصار ومهاجرين بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصوله اليهم سالماً فرحة أخرجت النساء من بيوتهن والولائد ، وحملت الرجال على ترك أعمالهم ، وكان موقف يهود المدينة موقف المشاركة لسكانها في الفرحة ظاهراً ، والمتألم من منافسة الزعامة الجديدة باطناً ، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم ، فلا عجب فيها ، وهو الذي أنقذهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط الله العزيز الحميد ، وأما موقف اليهود ، فلا غرابة فيه ، وهو الذي عرفوا بالملق والنفاق للجميع الذي فقدوا السيطرة عليه وبالغيظ والحقد الأسود ممن يسلبهم زعامتهم ، ويحول بينهم وبين سلب أموالهم باسم القروض وسفك الدماء باسم النصح والمشورة ، وما زال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم ، وينتهون من الحقد إلى درس المؤامرات ، ثم إلى الاغتيال إن استطاعوا ، ذلك ديدنهم، وتلك جبلتهم ، ولقد فعلوا مثل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استقراره بالمدينة ، برغم ما أمضاه بينه وبينهم من ميثاق على التعاون والتعايش بسلام ،ولكن اليهود قوم يشعلون نار الحروب دائماً وأبداً ، ( كُلَّمَا أَوقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ) . [ المائدة : 64] .


13-من وقائع الهجرة إلى المدينة لنا أنه صلى الله عليه وسلم ما أقام بمكان إلا كان أول ما يفعله بناء يجتمع فيه المؤمنون فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها أربعة أيام ، وبني مسجداً في منتصف الطريق بين قباء والمدينة لما أدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن الوادي " وادي رانوناء " .


فلما أن وصل على المدينة ، كان أول عمل عمله بناء مسجد فيها ، وهذا يدلنا على أهمية المسجد في الاسلام ، وعبادات الاسلام كلها تطهير للنفس وتزكية للأخلاق ، وتقوية لأواصر التعاون بين المسلمين ، وصلاة الجماعة والجمعة والعيدين ، مظهر قوي من مظاهر اجتماع المسلمين ، ووحدة كلمتهم ، وأهدافهم ، وتعاونهم على البر والتقوى ، لاجرم أن كان للمسجد رسالة اجتماعية وروحية عظيمة الشأن في حياة المسلمين ، فهو الذي يوحد صفوفهم ، ويهذب نفوسهم ، ويوقظ قلوبهم وعقولهم ، ويحل مشاكلهم ، وتظهر فيه قوتهم وتماسكهم .


ولقد أثبت تاريخ المسجد في الإسلام أن منه انطلقت جحافل الجيوش الاسلامية لغمر الارض بهداية الله ، ومنه انبعثت أشعة النور والهداية للمسلمين وغيرهم ، وفيه ترعرعت بذور الحضارة الإسلامية ونمت ، وهل كان أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وخالد ، وسعد ، وأبو عبيدة ، وأمثالهم من عظماء التاريخ الاسلامي إلا تلامذة المدرسة المحمدية التي كان مقرها المسجد النبوي .


وميزة أخرى للمسجد في الإسلام أنه تنبعث منه في كل أسبوع كلمة الحق مدوية مجلجة على لسان خطيبه ، في إنكار منكر أو أمر بمعروف . أو دعوة إلى خير ، أو إيقاظ من غفلة ، أو دعوة إلى جميع ، أو أحتجاج على ظالم ، أو تحذير لطاغية ، ولقد شاهدنا في عهد الطفولة كيف كانت المساجد مراكز الانطلاق للحركة الوطنية ضد المستعمرين الفرنسيين ، يلجأ اليها زعماء الجهاد ضد الاستعمار وضد الصهيونية ، وإذا كنا نرى تعطيلها اليوم عن قيامها بوظيفتها الكبرى ، فما ذلك إلا ذنب بعض الخطباء من الموظفين المرتزقين ، أو الجاهلين الغافلين ، ويوم يعتلي منابرها ويؤم محاريبها دعاة اشداء في الحق ، علماء بالشريعة ، مخلصون لله ولرسوله ، ناصحون لأئمة المسلمين وعامتهم ، يعود للمسجد في مجتمعنا الإسلامي مكان الصدارة في مؤسساتنا الاجتماعية ، ويعود المسجد ليعمل عمله في تربية الرجال ، وإخراج الأبطال ، وإصلاح الفساد ، ومحاربة المنكر ، وبناء المجتمع على أساس من تقوى الله ورضوانه .


وإنا لنأمل ذلك أن شاء الله حين تحتل هذه الطليعة الطاهرة من شبابنا المؤمن المثقفة بدين الله المتخلقة بأخلاق رسول الله منابره وأرجاءه .


15ـ في مؤاخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الاسلام الانسانية الاخلاقية البناءة، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم ، فجاؤوا المدينة لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً ، والانصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم ، فليحمل الأخ أخاه ، وليقتسم معه سراء الحياة وضراءها ، ولينزله في بيته ما دام متسع لهما ، وليعطه نصف مالهما دام غنياً عنه ، موفراً له ، فأية عدالة اجتماعية في الدنيا تعدل هذه الأخوة ؟


إن الذين ينكرون أن يكون في الإسلام عدالة اجتماعية ، قوم لا يريدون أن يبهر نور الإسلام أبصار الناس ويستولي على قلوبهم ، أو قوم جامدون يكرهون كل لفظ جديد ولو أحبه الناس وكان في الإسلام مدلوله ، وإلا فكيف تنكر العدالة الاجتماعية في الإسلام وفي تاريخه هذه المؤاخاة الفذة في التاريخ ، وهي التي عقدها صاحب الشرعية محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وطبقها باشرافه ، وأقام على أساسها أول مجتمع ينشؤه ، وأول دولة يبنيها


سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم .


16ـ وفي الكتاب الذي عقد فيه الرسول الاخوة بين المهاجرين والأنصار ، والتعاون بين المسلمين وغيرهم جملة من الأدلة التي لاترد على أن أساس الدولة الإسلامية قائم على العدالة الاجتماعية ، وأن أساس العلائق بين المسلمين وغيرهم هو السلم ماسالموا ، وان مبدأ الحق والعدل والتعاون على البر والتقوى والعمل لخير الناس ، ودفع أذى الأشرار عن المجتمع ، هو أبرز الشعارات التي تنادي بها دولة الإسلام ، وبذلك تكون الدولة الاسلامية أينما قامت ، وفي أي عصر نشأت قائمة على أقوم المبادئ واعدلها ،وهي تنطبق اليوم على أكرم المبادئ التي تقوم عليها الدول ، وتعيش في ظلها الشعوب ، وإن العمل في عصرنا هذا لاقامة دول في مجتمعنا الاسلامي ترتكز قواعدها على مبادئ الاسلام عمل يتفق مع تطور الفكر الانساني في مفهوم الدولة عدا أنه يحقق للمسلمين بناء مجتمع من أقوى المجتمات وأكملها وأسعدها وأرقاها .




وأياً ما كان فإن من مصلحتنا أن تبني الدولة عندنا على أساس الاسلام ، وفي ترك ذلك خراجنا ودمانا، والاسلام لا يؤذي غير المسلمين في الوطن الاسلامي ، ولا يضطهد عقائدهم ، ولا ينتقص من حقوقهم ، ففيم الخوف من إلزام الدول في البلاد الاسلامية بتنفيذ شرائع الاسلام وإقامة أحكامه وهي كلها عدل وحق وقوة وإخاء وتكفل اجتماعي شامل على أساس من الإخاء والحب والتعاون الكريم ؟ إننا لن نخلص من الاستعمار ، إلا بالمناداة بالاسلام ، وفي سبيل ذلك فليعمل العاملون(وَلَو أَنَّ أهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) [ الأعراف : 96 ] ( وَأنَّ هَذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه) [ الانعام : 153 ] ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوكَّلْ عَلى الله فََهُو حَسْبُهُ إنَّ الله بَالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيء قَدْراً ) [ الطلاق : 2 ] ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِن أمْرِهِ يُسْراً ) [ الطلاق : 4 ] ( وََمْن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أجْراً ) [ الطلاق : 5] .
 

privacy_tip صلاحيات هذا المنتدى:

لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى